نصر حامد أبو زيد
87
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
والمتنوعة التي وردت عن الصحابة أو التابعين إزاء نص بعينه . هذا الاجتهاد والتنوع قد يكون نابعا من « احتمالية » الألفاظ ، وقد يكون نابعا من تعدد النزول . ومن التنازع الموجود منهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين إما لكونه مشتركا في اللغة كلفظ « القسورة » الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد ، ولفظ « عسعس » الذي يراد به اقبال الليل وادباره ، واما لكونه متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين كالضمائر في قوله « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » الآية ، وكلفظ « الفجر » و « الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ » و « لَيالٍ عَشْرٍ » وأشباه ذلك ، فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف . وقد لا يجوز ذلك ، فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة أخرى ، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه ، وأما لكون اللفظ متواطئا فيكون عاما إذا لم يكن لمخصصه موجب ، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني . « 1 » وإذا كانت ظاهرة « الاشتراك » اللغوي أو الألفاظ « المحتملة » و « المتواطئة » ظواهر لا توجد في التركيب ، إذ التركيب اللغوي بكل علاقاته ، من علاقات تجاور وعلاقات استبدال يزيل هذا الغموض ويحدد الدلالة ، فان منظور علماء القرآن ينتهي - بناء على افتراضات الاشتراك والاحتمال - إلى صحة كل المعاني التي قالها السلف ، وذلك تجنبا لأي نقد حقيقي لرأي قديم . ومن شأن هذه الافتراضات وما يصاحبها من افتراض تعدد مرات النزول أن يقضي على مفهوم النص ذاته وذلك بالقضاء على جذوره الدلالية الناتجة من علاقته بالواقع وجدله مع الثقافة . ولقد كان الخلاف في الروايات التي وردت حول سورتي « الفاتحة » و « الاخلاص » وهل هما مكيتان أم مدنيتان ، ومحاولة العلماء المتأخرين الجمع بين كل الروايات ، وراء هذا الاصرار على أن كلتا السورتين نزلت مرتين : مرة في مكة ومرة في المدينة . هذا رغم أن سورة « الفاتحة » جزء أصيل من شعيرة الصلاة التي لا تتم إلا بقراءتها ، والمعلوم المشهور أن الصلاة فرضت في نهاية المرحلة المكية ، ليلة المعراج بلا خلاف وإن كانت السيرة ترى أنها فرضت قبل ذلك . وافترضت الصلاة عليه فصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وآله . . . عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : افترضت الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أول ما افترضت عليه ركعتين كل صلاة ، ثم إن اللّه تعالى أتمها في الحضر أربعا ، وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين « 2 » .
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الثاني ، ص 177 . ( 2 ) السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 227 .